اعلان هنا
منتديات نتاوي

العودة   منتديات نتاوي > المنتديات الإسلاميه > منتدى السيرة النبويه الشريفه

المـقْـتَـضَـبُ المَـعْـسُـول من سيرة الرسول ﷺ - الشيخ محمد بن خدة

لمـقْـتَـضَـبُ المَـعْـسُـول من سيرة الرسول ﷺ وبيان هدايته للناس جميعا بدعوته ولو شنأه أتباع ابن أبي سلول الحمد لله الذي له الملك المطلق من غير مضاد، جعل السماوات مرتفعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 02-06-2015, 01:17 PM
الصورة الرمزية Mhmd2020
Mhmd2020 Mhmd2020 غير متواجد حالياً
مشرف منتدىات نتاوى
 
تاريخ التسجيل: Dec 2014
المشاركات: 699


افتراضي المـقْـتَـضَـبُ المَـعْـسُـول من سيرة الرسول ﷺ - الشيخ محمد بن خدة

لمـقْـتَـضَـبُ المَـعْـسُـول من سيرة الرسول ﷺ
وبيان هدايته للناس جميعا بدعوته ولو شنأه أتباع ابن أبي سلول


الحمد لله الذي له الملك المطلق من غير مضاد، جعل السماوات مرتفعة بغير عماد، وخلق الأرض المهاد، والجبال الأوتاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تقيم وجه صاحبها للدين حنيفا وتبرئه من الإلحاد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل المرسلين وأكرم العباد، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره أهل الشرك والعناد، ورفع له ذكره فلا يذكر إلا ذكر معه كما في الأذان والتشهد والخطب والمجامع والأعياد، وكبت محادّه وأهلك مشاقّه وكفاه المستهزئين به ذوي الأحقاد، وبتر شانئه ولعن مؤذيه في الدنيا والآخرة، وجعل هوانه بالمرصاد، واختصه على إخوانه المرسلين بخصائص تفوق التعداد، فله الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود ولواء الحمد الذي تحته كل حمّاد، صلى الله عليه وعلى آله أفضل الصلوات وأعلاها، وأكملها وأنماها، كما يحب سبحانه أن يصلّى عليه وكما أمر، وكما ينبغي أن يصلَّى على سيِّد البشر، والسلامُ على النبيّ ورحمةُ الله وبركاته أفضل تحية وأحسنها وأولاها، وأبركها وأطيبها وأزكاها، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم التناد، باقيين بعد ذلك أبدا رزقا من الله ما له من نفاد [1].
أما بعد، فقد أكرمنا الله بخير العباد، وأفضل رسل الهدى والرشاد، محمد بن عبد الله، عليه من الله تعالى أفضل الصلاة والسلام من غير نفاد، فبلغ الرسالة ونصح الأمة وكشف الغمة، وفتح الله به أعينا عميا وآذانا صمّا وقلوبا غلفا، وأقام به الحجة وأوضح به المحجة
وبَلَغَ به المقام العظيم والمكانة الرفيعة والفضيلة الجليلة، أثنى عليه ربُّه، فشرح صدره ورفع له ذكره وزكَّى له خلقه، فاجتمعت فيه خصال الخير كلها،
وجدت خصال الخير في الناس فُرٍّقت .... وقد جُمِعت فيه الخصال المفرّقة
وقد أصبحت في كل غَـرْبٍ ومَشْــرِق .....مُغرِّبَـة أخلاقـُـــــه ومُشرِّقة
إذا ما جرى في مَحْفَــل طِيــبُ ذِكْرِهـا ..... حسبت بـــه فَارَاتُ مِسْكٍ مُفَتَّقَــة
ورغم هذا كله، إلا أنه مِنَ الناس مَنْ لا يزال على قلوبهم أكنة، وفي آذانهم وقر، وعلى أبصارهم غشاوة، حسدا من عند أنفسهم، واستكبارا وعلوا، فطالوا وتطاولوا على مقامه الكريم عليه الصلاة والسلام، استهزاء وسخرية، وجهلوا أو تجاهلوا أن الله مظهر فضل رسله ولو كره الكافرون، ومؤيدهم ولو تمالأ المشركون، صلى الله عليه وسلم {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ }غافر51، { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } 181-183 الصافات، {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ }الكوثر3، وقضية الاستهزاء والسخرية بالرسل قد ذكرها الله تعالى في كتابه، وذكر لنا شيئا من قصص السابقين في ذلك، وما أصابهم من الخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون، وهاهم أفراخٌ لأولئك السابقين يستعجلون العذاب، ويتبوّؤون العقاب، بما اقترفت أيديهم من الإثم والوزر، وذلك بما قاموا به من الاستهزاء بالرسول الكريم عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :[ وإن كان الله قد أغنى رسوله عن نصر الخلق، ولكن ليبلو بعضكم ببعض وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، ليحق الجزاء على الأعمال كما سبق في الكتاب] [2] ، فأردت أن أذكر شيئا لأجل هذا الحَدَث، فأقول متوكلا على الله تعالى، مستعينا به جلّ وعلا:
لقد قضى الله تعالى، وقضاؤه حق، وحكم تعالى، وحكمه عدل، وما قضى الله لعبده المؤمن قضاء إلا كان له فيه خير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"عجبت للمؤمن إن الله لم يقض قضاء إلا كان خيرا له" [3]، هذا في حق المؤمن، فكيف في حقِّه صلى الله عليه وسلم، وسيرته صلى الله عليه وسلم العطرة أكبر شاهد ودليل على ذلك، وَلْنَنظُر إلى أولئك الذين سوّلت لهم أنفسهم الاستهزاءَ بالنبي صلى الله عليه وسلم، كيف كان حالهم، وإلى أين انتهى مآلهم، وكيف هي نتائج فعلهم في حق نبينا صلى الله عليه وسلم، لقد رفع الله ذكره، وأعلى قدره، وبتر شانئه، وكفى نبيه صلى الله عليه وسلم المستهزئ به، قال تعالى {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ }الشرح4 وقال أيضا {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ }الكوثر3 وقال {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ }الحجر95، ثم إنه تبارك وتعالى زاد نبيه صلى الله عليه وسلم ـ بعد فعل هؤلاء ـ رفعة ومحبة في قلوب الناس، وانتصر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهذه شَهْدَةُ عَسَلٍ مُقْتَضَبَة، ورَحِيقُ زَهْرَةٍ من حقل سيرته صلى الله عليه وسلم منتخبة، أبذلها تسلية لقلوب المحبين، ودعوة وتحذيرا للمخالفين، وكمدا في قلوب المعتدين، فإليكموها بين أيديكم، اقرؤوها وَ عُوهَا، واحفظوها وافهموها، وإلى غيركم فانقلوها.
قال تعالى {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ }الحجر95
عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله عز وجلّ [﴿ إنا كفيناك المستهزئين﴾، قال: (المستهزئون: الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب أبو زمعة من بني أسد بن عبد العزى والحارث بن غيطلة [4] السهمي والعاص بن وائل، فأتاه جبريل عليه السلام شكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراه الوليد أبا عمرو بن المغيرة فأومأ جبريل عليه السلام إلى أبجله، فقال ما صنعت؟ قال: كفيته، ثم أراه الأسود بن المطلب، فأومأ جبريل إلى عينه، فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته، ثم أراه الأسود بن عبد يغوث الزهري، فأومأ إلى رأسه، فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته، ثم أراه الحارث بن غيطلة السهمي، فأومأ إلى رأسه أو قال إلى بطنه، فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته، ومر به العاص بن وائل فأومأ إلى أخمصه، فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته، فأما الوليد بن المغيرة فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له فأصاب أبجله فقطعها، وأما الأسود بن المطلب فعمي، فمنهم من يقول عمي هكذا، ومنهم من يقول نزل تحت سَمُرَةٍ فجعل يقول يا بني ألا تدفعون عني قد قتلت، فجعلوا يقولون: ما نرى شيئا، وجعل يقول: يا بني ألا تمنعون عني، قد هلكت، ها هو ذا أطعن بالشوك في عيني، فجعلوا يقولون: ما نرى شيئا، فلم يزل هكذا حتى عميت عيناه، وأما الأسود بن عبد يغوث الزهري فخرج في رأسه قروح فمات منها، وأما الحارث بن غيطلة [5] فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج من فيه فمات منها، وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك يوما إذ دخل في رأسه شِبْرِقَة حتى امتلأت منها فمات منها، وقال غيره في هذا الحديث: فركب إلى الطائف على حمار فربض على شبرقة فدخلت في أخمص قدمه شوكة فقتلته)[6].
فقد كفى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم المستهزئين به، بل وها هو كيدهم واستهزاؤهم يعود عليهم بضد ما أرادوه، فيزداد النبي صلى الله عليه وسلم رفعة وعظمة ومحبة في قلوب الناس، بل وأكثر من ذلك يستهزئون به صلى الله عليه وسلم لينفروا الناس عنه وعن دعوته، وإذا بالأمر يكون على عكس ما أرادوه، وهذه سيرته صلى الله عليه سلم العطرة تدلّ على ذلك.
إسلام ضماد بن ثعلبة الأزدي رضي الله عنه
كان أهل مكة يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم كاهن وساحر ومجنون، هكذا بلغ بهم الحد والظلم والكبر، أن يكذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يعلمون صدقه وأمانته، وما جربوا عليه كذبا أبدا، ولا طعنوا في عقله أبدا، بل يعرفونه برجاحة العقل، حتى أنهم لمّا اختلفوا في وضع الحجر الأسود مكانه ــ بعد أن أعادوا بناء الكعبة ــ انتهى رأيهم إلى أن أول من يدخل عليهم الباب يحكمونه في أمرهم، فدخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الجميع هذا الأمين قد جاء، ورضوا جميعا بتحكيمه، وحكم صلى الله عليه وسلم، فرضي الجميع بما حكم به عليه الصلاة والسلام، ثم هم بعد ذلك يرمونه بهذه الألقاب وهم يعلمون براءته منها.
وكان ضماد صديقا للنبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية، وكان يتطبّب ويرقي، وخرج يطلب العلم، وكان باليمن، ثم جاء مكّة وقد بعث النبي صلى الله عليه سلم، فسمع استهزاء كفار قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم، ورميهم له صلى الله عليه وسلم بتلك الألقاب، وهنا يقع ما لم يكن ينتظره هؤلاء المشركون.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( إن ضمادا قدم مكة، وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح [7]، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون [8] فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي. قال: فلقيه. فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح. وإن الله يشفي على يدي من شاء. فهل لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد" قال فقال: أعد عليّ كلماتك هؤلاء. فأعادهنّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرّات . قال فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء. فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء. لقد بلغن ناعوس [9] البحر. قال فقال: هات يدك أبايعْك على الإسلام. قال: فبايعه. قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" وعلى قومك" قال: وعلى قومي. قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريّة فمرّوا بقومه. فقال صاحب السريّة للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئا؟ فقال رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة. فقال: ردّوها. فإن هؤلاء قوم ضماد)[10].
لقد استهزأ هؤلاء المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم، ووصل إلى ضماد قولهم، فدفعه ذلك إلى الوصول إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وصل، ما وجد من سبيل إلا أن يعترف بالحقّ الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم، فآمن وبايع على الإسلام، بل و على إسلام قومه كذلك.
إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه
الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس الدوسي، أسلم وصدّق النبي بمكّة، وقد كان لإسلامه قصّة، على خلاف ما أراده عليه المشركون.
وقد ذكر غير واحد ــ ممن ترجم للصحابة الكرام عليهم الرضوان ــ قصة إسلامه رضي الله عنه وأرضاه، وقد ذكرها الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه "الاستيعاب" (2/759 ـ 762) قال: [ للطفيل بن عمرو الدوسي في معنى ما ذكره ابن الكلبي خبر عجيب في المغازي، ذكر ذكره الأموي في مغازيه ذكره الأموي
ذكرها الأموي في مغازيه، عن ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن ابن الطفيل بن عمرو الدوسي، وذكره ابن إسحاق عن عثمان بن الحويرث عن صالح بن كيسان عن الطفيل بن عمرو الدوسي قال: كنت رجلا شاعرا سيدا في قومي، فقدمت مكة فمشيت إلى رجالات قريش ، فقالوا: يا طفيل، إنك امرؤ شاعر، سيد مطاع في قومك، وإنا قد خشينا أن يلقاك هذا الرجل فيصيبك ببعض حديثه، فإنما حديثه كالسحر، فاحذره أن يدخل عليك وعلى قومك ما أدخل علينا وعلى قومنا، فإنه يفرق بين المرء وابنه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وأبيه، فوالله ما زالوا يحدثونني في شأنه ، وينهونني أن أسمع منه حتى قلت: والله لا أدخل المسجد إلا وأنا ساد أذني، قَالَ: فعمدت إلى أذني فحشوتهما كرسفا ، ثم غدوت إلى المسجد، فإذا برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائما في المسجد. قَالَ: فقمت منه قريبا، وأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله. قَالَ: فقلت في نفسي:
والله إن هذا للعجز ، والله إني امرؤ ثبت، ما يخفى علي من الأمور حسنها ولا قبيحها، والله لأستمعن منه، فإن كان أمره رشدا أخذت منه، وإن كان غير ذَلِكَ اجتنبته. فَقَالَ: فقلت: بالكرسفة! فنزعتها من أذني، فألقيتها، ثم استمعت له، فلم أسمع كلاما قط أحسن من كلام يتكلم به. قَالَ: قلت- في نفسي: يا سبحان الله؟ ما سمعت كاليوم لفظا أحسن منه ولا أجمل. قَالَ: ثم انتظرت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى انصرف فاتبعته، فدخلت معه بيته، فقلت له: يا محمد، إن قومك جاءوني، فقالوا كذا وكذا، فأخبرته بالذي قالوا، وقد أبى الله إلا أن أسمعني منك ما تقول، وقد وقع في نفسي أنه حق، فاعرض علي دينك، وما تأمر به، وما تنهى عنه. قَالَ: فعرض علي رَسُول اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم الإسلام فأسلمت، قلت: يا رَسُول اللَّهِ، إني أرجع إلى دوس، وأنا فيهم مطاع، وأنا داعيهم إلى الإسلام لعل الله أن يهديهم، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه. فَقَالَ: اللَّهمّ اجعل له آية تعينه على ما ينوي من الخير.
قَالَ: فخرجت حتى أشرفت على ثنية أهلي التي تهبطنى على حاضر دوس.
قَالَ: وأبي هناك شيخ كبير، وامرأتي ووالدتي. قَالَ: فلما علوت الثنية وضع الله بين عيني نورا يتراءاه الحاضر في ظلمة الليل، وأنا منهبط من الثنية. فقلت: اللَّهمّ في غير وجهي، فإنّي أخشى أن يظنوا أنها مثلة لفراق دينهم، فتحول في رأس سوطي، فلقد رأيتني أسير على بعيري إليهم، وإنه على رأس سوطي كأنه قنديل معلق فيه حتى قدمت عليهم، فَقَالَ: فأتاني أبي فقلت: إليك عني، فلست منك ولست مني. قَالَ: وما ذاك يا بني؟ قَالَ: فقلت: أسلمت واتبعت دين محمد. فَقَالَ: أي بني، فإن ديني دينك، قَالَ: فأسلم وحسن إسلامه. ثم أتتني صاحبتي، فقلت: إليك عني، فلست منك ولست مني. قالت: وما ذاك بأبي وأمي أنت! قلت: أسلمت واتبعت دين محمد، فلست تحلين لي ولا أحل لك.
قالت: فديني دينك. قَالَ قلت: فاعمدي إلى هذه المياه فاغتسلي منها وتطهري وتعالي. قَالَ: ففعلت، ثم جاءت فأسلمت وحسن إسلامها، ثم دعوت دوسا إلى الإسلام، فأبت علي وتعاصت، ثم قدمت على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة، فقلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، غلب على دوس الزنا، والربا، فادع الله عليهم، فَقَالَ: اللَّهمّ اهد دوسا. ثم رجعت إليهم. قَالَ: وهاجر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة، فأقمت بين ظهرانيهم أدعوهم إلى الإسلام حتى استجاب لي منهم من استجاب، وسبقتني بدر، وأحد، والخندق، مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثم قدمت على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بثمانين أو تسعين أهل بيتٍ من دوس إلى المدينة، فكنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله مكة، فقلت: يا رَسُول اللَّهِ، ابعثني إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه. قال: أجل، فاخرج إليه فحرقه، قَالَ: فخرجت حتى قدمت عليه. قَالَ: فجعلت أوقد النار وهو يشتعل بالنار، واسمه ذو الكفّين، قال: وأنا أقول:
يا ذا الكفين لست من عُبَّادِكا ... ميلادنا أكبر من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا
ثم قدمت على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأقمت معه حتى قبض.
قَالَ: فلما بعث أبو بكر بعثه إلى مسيلمة الكذاب خرجت، ومعي ابني مع المسلمين عمرو بن الطفيل، حتى إذا كنا ببعض الطريق رأيت رؤيا، فقلت لأصحابي: إني رأيت رؤيا عَبِّرُوها. قالوا: وما رأيت؟ قلت: رأيت رأسي حلق، وأنه خرج من فمي طائر، وأن امرأة لقيتني وأدخلتني في فَرْجِها، وكان ابني يطلبني طلبا حثيثا، فحيل بيني وبينه. قالوا: خيرا، فَقَالَ: أما أنا والله فقد أولتها.
أما حلق رأسي فقطعه، وأما الطائر فروحي، وأما المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض تحفر لي وأدفن فيها، فقد رجوت أن أقتل شهيدا، وأما طلب ابني إياي فلا أراه إلا سيغدو في طلب الشهادة، ولا أراه يلحق في سفرنا هذا.
فَقُتِل الطفيل شهيدا يوم اليمامة، وجرح ابنه، ثم قتل باليرموك بعد ذَلِكَ في زمن عمر بن الخطاب شهيدا [11].
هذه قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي –رضي الله عنه- فقد كان استهزاء كفار قريش وسخريتهم من النبي صلى الله عليه وسلم وذلك برميه بتلك الألفاظ تنفيرا منه عليه الصلاة والسلام ، وكانوا قد أصابوا بها فؤاد الطفيل –رضي الله عنه- حتى عمد إلى أن سدّ أذنيه بما يمنع وصول كلام النبي صلى الله عليه وسلم إليهما ، ولكن سرعان ما رجع فاستمع لكلامه عليه الصلاة والسلام وعلم عندها أن ما ثمت كلام أحسن منه قط فأسلم رضي الله عنه وعاد إلى قومه داعيا إلى الله تعالى.
وما أشبه الليلة بالبارحة ، كما صار ذلك ساريا عند العرب ، هاهم الكفرة يشنعون ويستهزئون ويسخرون ،ولقد تطورت عندهم هذه السبل حتى وصلت إلى الرسم على أشكال فيها استهزاء وسخرية ، وقصدهم التنفير من دين الإسلام ونبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكن {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ }الفجر14، {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ }الحجر95 ، فلا يكون مآلهم فعلة هؤلاء إلا أنه يزداد إقبال الناس على معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا سمعوا كلامه وأخلاقه وما يدعو إليه دعا ذلك إلى أن يسلموا ، والسيرة خير دليل على ذلك ، بل ما يحدث الآن في الواقع خير دليل على ذلك ، فكم ممن لم يكن يولي هذا الموضوع –موضوع دين الإسلام ونبي الإسلام- لم يكن يوله اهتماما ، ولكن دفعه ما وقع من السخرية والاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى القرآءة عن دين الإسلام وعن نبي الإسلام ، فعلم عند ذلك أنه نبي الهدى والرحمة ، وأن دينه هو الدين الحق فدخل الإسلام .
إذن يا أهل الإسلام من حقوق نبينا عليه الصلاة والسلام علينا: محبته وتعظيمه وتوقيره وتعزيره ، والتمسك بسنته والدعوة إليها والدفاع عنها ، والفرح بالثناء عليه وذكره بجميل صفاته وكريم نعوته ، والغضب عند الإساءة إليه ، ولكن مع ذلك الاستبشار خيرا ، إذ عاقبة المستهزئين الخزي في الدنيا والآخرة ، لقوله تعالى {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ }الحجر95 ، وسيكون على إثر ذلك كذلك رجوع وعودة إلى الدين الله تبارك وتعالى.
فاللهم اكف نبيك المستهزئين ، واقذف الهداية في قلوب السامعين ، وأرنا البشائر في ذلك فيقر القلب والعين ، وأعل راية الإسلام والمسلمين ، ورُدّ كيد المعاندين ، ودمِّر الحاقدين ، وأنر الطريق للمسترشدين ، يا ذا العرش المجيد ، ويا ذا القوة المتين . اللهم آمين.
والحمد لله رب العالمين .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلّم تسليما كثيرا.

قاله بفمه وكتبه بيده
أبو عبد الرحمن محمد بن طاهر بن خدة .
وكان آخره ضحى يوم الثلاثاء
29/03/1436هـ
20/01/2014مـ
************************************
[1] من مقدمة " الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم" 7 ـ 8 بتصرف.
[2] " الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم" 8
[3]رواه الإمام أحمد (3/117) و(3/184) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بسند رجاله ثقات عدا القاسم بن شريح، قال الحافظ ابن حجر في " تعجيل المنفعة" 338: [ ... قال أبو حاتم شيخ... وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقد تابعه عاصم الأحول، رواه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (5/24) وسنده حسن، وانظر "سلسلة الأحاديث الصحيحة"(1/1/277 ـ 278 رقم 148).
[4] في المطبوع :عنطلة، وصوابه (غيطلة) ذكره محقق "تفسير الطبري" (14/147) وأحال على "سيرة ابن هشام" و "جمهرة أنساب العرب".
[5] في المطبوع : عنطلة، وصوابه ما أثبتناه، وقد سبق التنبيه إليه.
[6] رواه البيهقي في " دلائل النبوة" (2/316) أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الفقيه رحمه الله قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان قال حدثنا أحمد بن يوسف السلمي قال حدثنا عمر بن عبد الله بن رزين قال حدثنا سفيان عن جعفربن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما ... فذكره، وهذا إسناد حسن من أجل ما قيل في عمر بن عبد الله بن رزين، وأما شيخ البيهقي وشيخ شيخه، فقد ترجم لهما الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في كتا به "سير أعلام النبلاء" على التوالي (17/276 ـ 278) و(15/318 ـ 319). وذكر الإمام الذهبي هذا الأثر في كتابه "السير" قسم السيرة (26/182 ـ 183) وقال: (حديث صحيح).
تنبيه: قال الإمام الذهبي : [ قال الثوري عن جعفر بن إياس جعفر... ]، و الأثر ورد عند البيهقي من طريق سفيان عن جعفر بن إياس ...، وسفيان هذا ليس هو الثوري، وإنما هو سفيان بن حسين بن حسن أبو محمد أو أبو الحسن الواسطي، والله تعالى أعلم. وقد أورد الإمام الطبري في "تفسيره" (14/146 ـ 153) جملة من الآثار نحو هذا،
[7] عند الإمام البغوي في "معجم الصحابة" (3/399 رقم 1334) زيادة " ... كان باليمن و كان يعالج من الأرواح ..."، وقال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (5/348)" [ ... وروى مسدد في "مسنده" في أوله زيادة، قال: وكان ضماد صديقا للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان يتطبّب فخرج يطلب العلم ثم جاء وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم ... ].
[8]وعند الإمام البغوي (3/399) " فسمع أهل مكة يقولون لمحمد صلى الله عليه وسلم : ساحر وكاهن ومجنون ..."
[9]ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى في "شرحه على مسلم" (6/157) أن هذه الكلمة ضبطت بوجهين: (ناعوس) بالنون والعين، وهي أشهر، وموجودة في أكثر نسخ بلادنا، و(قاموس) بالقاف و الميم، وهذا الثاني هو المشهور في غير صحيح مسلم، وذكر القاضي عياض أن أكثر نسخ مسلم (قاعوس) بالقاف والعين، وجاءت (تاعوس) بالتاء المثناة فوق، و(قاموس) يقال قاموس البحر معناه وسطه، و قيل لجّته، وقيل قعره الأقصى، وقاموس على وزن فاعول من قمسته إذا غمسته فقاموس البحر لجته التي تضطرب أمواجها ولا تستقر مياهها وهي لفظة عربية صحيحة، وقالوا كذلك قاعوس البحر بمعنى قاموس كأنه من القعس وهو تطامن الزهر وتعمّقه فيعود إلى عمق البحر ولجّته.
[10]رواه مسلم في صحيحه (2/593 كتاب الجمعة ــ باب تخفيف الصلاة والخطبة ــ رقم 868)
[11] رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (4/237 ـــ 240) نحوه ، عن محمد بن عمر وهو الواقدي وهو متروك كما قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله- وسنده معضل ، و رواه كذلك البيهقي في " دلائل النبوة" (2/360 ـــ 363) بسنده إلى محمد بن اسحاق فذكر القصة ، وهو سند معضل كذلك .
وقد ذكر الحافظ بن عبد البر أن ابن إسحاق رواه عن عثمان بن الحويرث عن صالح بن كيسان عن الطفيل ابن عمرو وسنده منقطع ، كما ذكر الأموي ، ذكره في مغازيه عن ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وابن الكلبي متكلم فيه شديدا ، والحاصل أن القصة جاءت من طرق وإن كانت كلها لا تخلو من مقال، وفيها من هو متّهم ومتروك ، لكن قد عُلم إمامة الواقدي في السير والمغازي ، ولهذا فيظهر كون أصل القصة ثابت والعلم عند الله تعالى.



hglJrXJjQJqQJfE hglQJuXJsEJ,g lk sdvm hgvs,g ﷺ - hgado lpl] fk o]m

رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
المَـعْـسُـول , المـقْـتَـضَـبُ , سيرة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:08 AM

For best browsing ever, use Firefox.
Supported By: netawei™
منتديات نتاوى .:: منتديات نتاوى ::.



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Developing and Designing BY ataslya.com